ايامي و طفولتي في أمريكا

لم يدرك عقلي اليافع وانا ذو الاربع سنين ان هناك فرق بين بلاد سام و البلاد الاخرى التي نسافر اليها لنرى أقاربي و أجدادي، ربما ذاك الوقت و بسبب تنقلاتنا الكثيرة بين الفينة و الأخرى بين الولايات كنت أظن ان السعودية هي احدى ولايات أمريكا او ما شابه، الا ان الذي لا أختلف فيه مع نفسي ان طفولتي الأمريكية في بلاد سام كانت من اجمل الأيام في حياتي، هل هذا الاحساس كان نتاج الطفولة ام عن تأثير سحر أمريكا فلا أدري.

ولدت في الولايات المتحدة الامريكية عام (1979م-1399هـ)، وهو عام غني بالأحداث التاريخية، من تلك الاحداث اسرد منها ما يلي:

  1. سقوط الشاه و عودة خميني ايران ليأسس جمهورية ايران الاسلامية.
  2. المرأة الحديدية “مارقريت ثاتشر” تعين رئيسة وزراء بريطانيا.
  3. تولي الشهيد “صدام حسين” رئاسة العراق.
  4. وقوع حادثة جهيمان في الحرم المكي و ما يعرف بثورة جهيمان او انتفاضة الحرم.
  5. توقيع السادات لاتفاقية سلام مع الدولة الصهيونية.
  6. هجوم الايرانيين على السفارة الأمريكية بطهران و خطف 53 من موظفيها.
  7. وقوع ثورة القطيف و يطالب السعوديين الشيعة بالمساواة بالمواطنين السنة، الثورة دحرت من الحرس الوطني السعودي.

تلك كانت بعض الاحداث العظيمة التي سجلها التاريخ لذاك العام (1979م-1399هـ)، لكن حدث آخر كان يأخذ مجراه في سندياقو كلفورنيا وهي ولادة محدثكم، فقد كان والدي (عبدالقادر جنبي) قد ابتعث من الشركة التي كان يعمل فيها (شركة الزيت العربية المحدودة) الى امريكا للحصول على شهادة الدبلوم في الالكترونيات و التي نالها و نال بعدها البكالريوس في الميكانيكا، شركة الزيت العربية المحدودة كانت قد حصلت على حقوق التنقيب و الانتاج من الجانبيبن السعودي و الكويتي لمدة 40 عام، اكتشفت البترول في عام 1960م هذه الرخصة انتهت فيما بعد عام 2000م.

نظرا لسني الصغير لا اذكر الكثير من طفولتي في مراحلها المبكرة، الا اني اذكر شيء واحد و مهم، اننا كنا نقضي معيشتنا في امريكا و كأننا مواطنين و بكامل حقوقنا و بكل احترام من المواطنين الامريكان، ولم يتعرض لنا احد لا بسوء تصرف لا بقول ولا فعل، فمن المقتفات القليلة التي اتذكرها و التي سنتناولها في تدوينتي هذه سنفهم مبررات هذه النظرة.

فحوالي عام 1983 قمنا بالانتقال الى آخر ولاية في امريكا والتي لا اذكرها، و في مدينة مارشال سكنا في شقة من غرفتين و صالة في مجمع سكني جميل، كان مكونا من اربع الى خمس طوابق و له مبنيين متشابهين يغلبه القرميد، و امام المبنى من الجهة الرئيسية كانت هناك ساحة خضراء كبيرة ، لكن من الخلف كان هناك مسبح مخصص للسكان يعج بالمرتادين في ايام الصيف الحار، لم أفهم في ذاك الوقت لماذا لم نتردد الى ذاك المسبح الأزرق الرائع حالنا كحال جيراننا لكن اليوم طبعا فهمت، كانت في البناية و في السرداب صالة كبيرة مخصصة لغسيل الملابس، يترد جميع سكان المبنى الى تلك الصالة لغسيل ملابسهم و تكون فرصة للسكان للتواصل و للنساء لتدردش.

قد استأجر والدي شاحنة نقل، تؤجر للراغبين في قيادة شاحناتهم المحملة بصناديق اثاثهم، فالطريقة هي ان تأتي الشركة الى العميل فتوضب اثاثة و تحملة في الشاحنة، ثم يقود العميل الشاحنة بنفسه و تنتظره الشركة في العنوان الجديد لتفرغ له الكراتين ان رغب او مجرد ان يأخذو الشاحنة بعد ان تفرغ منها، اتوقع ان مسألة قيادة الشاحنة بنفسك كانت توفر قدرا لا بأس به من المال.

اثناء تفريغ صناديقنا و تجهيز المنزل، كان الاحساس السائد اننا لن ننتهي من تفريغ كل تلك الصناديق، دق جرس الباب و عم الاستغراب على وجه والدي، فمن عساه ان يزورهم و هم في يومهم الأول في شقتهم الجديدة و في مدينة لا يعرفون فيها احد، فتح والدي الباب و دار حوار ثم نادي والدتي فرافقتها فضولا لاعرف الحكاية، فوجت اربع نساء من جيراننا يرحبون بنا و معهم سلة فواكة و عرض بالمساعدة، شكرتهم والدتي فقبلو الشكر و قرار العزيزة الوالدة الا انهم اصروا أشد اصرار على ان تزورهم مساء بعد الانتهاء من التوضيب للراحة و الاسترخاء و التعارف ففعلت والدتي.

ترددت انباء ليست ببعيد انه سوف يتم تسجيلي في مكان يوصف بالجميل و يطلق عليه الروضة، لم اعرف ما هو الا مسألة ان هناك اطفال آخرون لالعب معهم بدل من حياتي الوحيدة كانت مغريا جدا لي، ففي يومي الأول تم ايقاظي و لاول مرة بحياتي في الصباح الباكر، و لبست ملابسي او البستني والدتي، و انطلقنا لنرتاد اليوم الأول، دخلت الروضة و كانت قمة في الترتيب و نظيفة و فعلا كانت كذلك، مبنى ارضي مكون من صالة كبيرة جدا و صالة أخرى استقبل و مطبخ و غرفة صغيرة جانبية، في الصالة الكبيرة كانت في زواياه مخصصة لالعاب منوعة، فمن تلك الزوايا زاوية المطبخ و كانت شبه مجهزة بكل ما يلزمك لتحضير ما لذ و طاب من الوجبات البلاستيكية، و كانت هناك زاوية أخرى مخصصة للألعاب اللوحية و التي لم ارى منها بالسعودية الا المنوبولي و ،لعبة الثعبان و السلالم، و الشطرنج، بمجرد دخولي الروضة مع والدتي اقبلت علينا امراة شقراء في أواخر العشرينات من العمر و يعلو وجهها الابتسام ابدا ما عرفتها، رحبت بنا و سألت والدتي وهي تنظر الي اذا هذا هو البطل الجديد، سألتني ان كنت مستعدا لأتعلم شيء جديد، نظرت حولي للاطفال وهم يلعبون و يمرحون بينما المعلمة الأخرى تحاول ان ترتبهم ليبدأو يومهم الدراسي، فقلت لها نعم جاهز، فقالت لي انا اسمي مس ميري و ساكون احدى مدرستين في هذه الروضة، شاحت بنظرها الى المعلمة الاخرى المههوسة بالتنظيم و نادتها ففور حضورها عرفتني بها و ان اسمها مس ميري ايضا، ضحكت طبعا فقد كانت اول مرة في حياتي اقابل شخصان بنفس الاسم، طبعا الآن لا اجد الموضوع ظريفا كما السابق.

كنا نقضي يومنا صباحا في انشاد الانشايد التعليمية و ممارسة الالعاب الجماعية التي لا يمكل منها، و في الظهيرة نتناول وجبة خفيفة و نأخذ قيلولة، هذه القيلولة اجبارية و ليست أختيارية، ليس مهما ان تنام فعلا قدر انه اجباري ان تتوسد ذاك الفراش، كان كل طفل له سرير مؤقت مشابه لكراسي الشاطئ، تنصب فينام عليها الطفل ثم تزال مرة أخرى، طبعا و بعمري كنت دوما ارى ان فترة القيلولة هي من اكثر الاوقات الضائعة هباء منثورا، وكانت تتعب معي المعلمة لاقناعي بأغماض عيني، كنت انا و صديقي جون في غالب الظن من أكثر الاطفال حركة و شقاوة، وقد لا يغلبني في شقاوتي الا جون.

كانت هناك فتاة صغيرة العب معها كثيرا بيضاء ذات شعر اجعد كستنائي اللون، تميزت انها لطيفة دوما ولا اعرف سر ترحيبها المستمر لي من دون الاطفال كلهم لكن للاسف لا اذكر اسمها، تعرفت امي على امها البدينة و ترددنا على منزلهم اكثر من مرة، منزلهم كان عبارة عن منزل امريكي خشبي من طابق او طابقين، و كان ما يميزة امتلائه بالحيونات الاليفة من القطط و الكلاب و الأسماك بشتى انوعها و النباتات المنزلية، كنت اشعر و كأني في منتزة كبيرنركض و نلعب، طبعا كانو يغلقو على الكلاب الباب لعلمهم اننا كمسلمون نراها نجسه و بالاضافة الى رعبي من الكلاب.

في روضتي الجميلة كنا ننطلق مرة في الاسبوع في رحلة نزور احدى المواقع، فنخرج منتظمين مشيا الى تلك المزارات لنتعلم على الهواء مباشرة، اذكر من تلك الرحلات رحلة الى محطة المطافي، فبوصولنا رحب بنا الضابط و الموظفين، و ارونا الاقسام المختلفة في القسم من مكان النوم و الجلوس، اركبونا الشاحنة تارة و سمحو لنا  تارة أخرى ان نتزلج على عامود من الدور الاول للارضي، سمحو لنا ايضا بأن نمسك خرطوم المياه و نضخ قليل من المياه ليرونا كيف ان الضغط عالي جدا!، رحلة اخرى اذكرها هي رحلة الى ورشة الخزف حيث سمحو لنا بأن نصنع ما شئنا من مزهريات و طفايات سجائر و صحون و نضعها في الفرن، تلك المنتجات التي صنعناها نلونها فيما بعد بعد ان تجهز و اهديناها لوالدينا.

أما في عيد الحب (الفالنتاين) فكنا نصنع من الورق المقوى بطائق معايدة نهديها لوالداتنا، مع ان الفرح بذاك العيد كان شائعا بالروضة عندما كنت هناك، الا اني لاحظت انه في بيتنا لا يتعدى عن تسلك تلك البطاقة البائسة و الصاقها على الثلاجة و التي تختفي بعد فترة ليست بقصيرة، اعياد كثيرة كنا نحتفل بها في الروضة والتي لا نحتفل بها في السعودية و منها عيدالاستقلال الأمريكي و عيد الأم و عيد الفصح و الهلوين.

في ايام العطل الاسبوعية كان احيانا والدي يخرجان لوحدهما تاركيني مع مربية تستأجر بالساعة، اظن انها فترة نقاهه كان يستحوذ عليها والدي لنفسهما، كانت المربية أمرأة عجوز في الخمسينات من العمر بيضاء، طيبة القلب و معها شنطة يد ممتلئه بالالعاب التي لا تنتهي، كنت اناديها بالعربية (جدة) ظنا مني ان كل عجوز نناديها كذلك و ربما كنت على حق، كانت لا تفهم ما معنى جدة فسالت والدي عندما عادوا من نقاهتهم فعندما علمت فرحت كثيرا، ظلت تلك المراة ترسل لي هدايا عيد الميلاد في كل سنة الى ان غادرنا أمريكا عائدين الى السعودية.

ايام جميلة هي ايام الطفولة والتي لا يغلبها اي يوم آخر، كم اتمنى ان تعود ببساطتها و خفتها.

تم نشر هذه المقالة في تصنيف مذكرات انور بتاريخ بواسطة .

عن Anwar Janbi

أهوى الادارة و أعشق مياة الخليج العربي، مدون و بودكاستر و متخصص بالمبيعات و تطوير الأعمال و ممارس للتصوير "أحاول" ، مجتهد في اثراء المحتوى العربي و مشاركة المعرفة، مؤمن في أهمية تطوير العنصر البشري و اثق فيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *