من أمريكا الى السعودية

باستيقاظي في صباح يوم عادي جدا جررت نفسي من دفئ السرير متوجها الى صالة المعيشة كالمعتاد، وفي طريقي الى تلك الصالة كنت القي بنظري هنا و هناك  باحثا عن امي او ابي لابدأ طقوس الصباح من غسيل و تفريش اسنان و تناول فطور و كان الأخير الأهم عندي، وجدتهم أخيرا فعلا في الصالة و هم يناولون اطراف نقاش ظاهر الأمر انه جدي يتعدى أهمية فطوري، ما ان انتبهو لوجودي حتى التفتو ليرحبو بي، فبعد القبلات الصباحية التي احسست هذه المرة انها مقدمة لخبر جلل، أخبروني ان لديهم مفاجأه يودون ان يخبروني بها، سررت و صرت متعطشا لماهية تلك اللعبة التي كنت اظن انهم بصدد اخباري بها، أخبروني اننا سننتقل الى السعودية عند اقاربنا و جدو و جدة و سيدو و ستو، فرحت طبعا فالاجواء في المرة أو المرتين التي زرناها (السعودية) حتما كانت اكثر دفئ من العيش وحيدين، لكن لم يدر بخلدي ان هذه السعودية التي يتوعدوني بها هي بلد مختلف و مستقل عن البلد التي نحن فيها، وانه محتم ان عودتنا الى بلاد العم سام من النوادر التي احتمالياتها شبه معدومة.

فبتخرج والدي و حصوله على الشهادة الجامعية التي كانت سبب وجودنا بامريكا اصلا صار حتميا عودتنا، اذكر ان والدي كان يتمنى ان يكمل الماجستير الا انه أحب ان نعود الى السعودية، التبرير برأيه ان ابنه البكر (أنا) صار بعمر ستة سنين و حان وقت المدرسة، فضل ان ادرس في التعليم السعودي لأقوي عربيتي المعدومة و ان اتشرب ثقافة لا اجدها في أمريكا.

وضبنا ما خف وزنه و غلا ثمنه في صناديق النقل و شحناها الى السعودية، كنت اسعى جاهدا وكل الحرص الا ابقي اي من العابي و احرمها من نعمة الانتقال الى بيتنا الجديد، لم يمر وقت طويل بعد الانتهاء من التوضيب الا و نحن على طائرتنا و كل الشوق الى رؤية منزلنا الجديد، وصلنا الى السعودية عبر مطار جدة حيث قضينا في مكة برهه من الوقت، اشترى فيها والدي سيارته الأولى بالسعودية وكانت كابريس بوكس خضراء ولا اعلم سنة صنعها لكنها حتما كانت جديدة، فأبي كان يعشق الأمريكي حاله من حال سائر السعوديين في تلك الفترة، ركبنا تلك السيارة الجديدة و في رحلة أخرى الى منزلنا الجديد في مدينة الخفجي.

أكثر من أذكر أن الرحلة كانت طويلة، أو ربما كنت قليل الصبر لأرى بيتنا الجديد و في مدينتنا الجديدة، ما زاد الاحساس بطول المشوار بجانب شوقي لاكتشاف المنزل الموعود هو الطريق المقفر المظلم الذي نسلكه، فكان غالب الطريق من الطائف الى الرياض ذو مسارين، ناهيك عن غياب اي سيا يرد تلك الدواب عن الطريق، فكل فترة و أخرى اما يكبس والدي المكابح لتفاجئة بوجود ذاك الجمل يقطع الطريق، او اطار مقطع ملقى في القارعه وكأن الموضوع عادي، لكن والدي مل من كثر سؤالي عن وصولنا فأخبرني سرا، و هو ان ابقى صامتا و اركز على الطريق فأن رأيت شعلة في الأفق فمدينتنا عند تلك الشعلة!، جميل صمت لما تبقى من المشوار الكئيب، اسماء جديدة مررنا بها لم اراها من قبل مثل عرفاء و رضوان و الموية و ظلم و الخاصرة و الحوميات و حلبان و القويعية و خشم ذويبان و المزاحمية، كنت احاول جاهدا ان اتذكر ما استطعت من تلك الاسماء حتى اتعلم طريقي الى منزلنا في المستقبل والا اتوه! لم يثر فيني الضحك مثل خشم ذويبان و اثار ايضا التفكير في القصة التي خلف تلك التسمية و من اين اتت

رأيت الشعلة يا ابي … رأيت الشعلة

الشعلة كانت على رأس مدخنة جدا طويلة في مركز شركة الزيت لحرق الغاز الطبيعي الغير مستفاد منه، نعم رأيت تلك الشعلة اللعينة بعد 15 ساعة من السفر المضني، تربعت في السيارة ونحن نقترب من مدينة الخفجي، دخلناها ليلا فلم تسنح لي الفرصة ان ارى اي من معالمها او معالمها، لا ناسها ولا اطفالها ، لا شواطئها ولا حدائقها ، بحيراتها و متنزهاتها، نعم كانت الخفجي لها رسمة جدا جميلة في ذهني فكيف لا وهي المنزل المستقبلي، بيتنا كان منزل ارضي داخل مجمع سكني خاص بموظفين شركة الزيت، K3 كان رقم المنزل و بجانبها على اليمين حديقة العاب اطفال (مراجيح)، و خلف المنزل توجد حديقة كبيرة بحجم ملعب كرة خضراء و جميلة لكن خالية من اي اشجار، و البحر كان خلف المنزل يبعد 200 متر !! يعني رسميا كنا نسكن بشاليه!! ، نمنا ليلتنا الأولى متعبين لكن استيقظت باكرا لرغبتي في الخروج و الاستكشاف، و تكوين اصدقاء جدد، و التعرف على الجيران، ايقظت والدتي التي نهضت على مضض و فتحت صندوق ملابسي و أخرجت قميصي الأبيض ذو صورة “ميكي ماوس” الذي كنت افضله كثيرا، بسبب الحر البستني امي الشورت الجنز الازرق، حاولت ان اقنعها اني اريد ان البس بنطال الجنز لرغبتي في ان اترك انطباع جيد على اصدقائي الجدد و من المرة الأولى، اصرت أمي ان البس ذاك الشورت اللعين فرضخت، أخذت كرتي و خرجت في جولة استكشافية، وفي اول منعطف أخذته قابلت اول مجموعة و لحسن الحظ انهم بعمري! يالحظي أنا! انتبهت انهم كلهم يلبسون نفس الزي وهو ثوب ابيض، حفاة بعضهم وليس كلهم، و كانو في نقاش حاد لا ادري على ماذا كان، كنت مترددا في التوقف عندهم لاعرف بنفسي ام أكمل حتى لا اقطع نقاشهم، لكن فجأة توقفي و صارو ينظرون الي، فعلمت ان لا مخرج منها و ساغتنم الفرصة لاعرف بنفسي، توقفت عندهم و قلت (بالانجليزية) ، صباح الخير، أنا اسمي أنور و ق انتقنا هنا و ذاك منزلي، هل تلعبون معي الكرة؟، وقتها كنت افهم العربية لكن انطق الانجليزية فقط، ولم اكن منتبها انهما لغتان مختلفتان ولا تمت احدهما للأخر بصلة، صار الاولاد تعلو وجوههم الحنقة و قد احمرت اعينهم التي تطلق الشرر، و كانو يتسائلون فيما بينهم و بينما انا واقف امامهم من أكون و هل يعرفني احد، التفتو الي وصار يصيحون بكلمة أسمعها لاول مرة (كافر)، لم أعلم هل هي شتيمة ام انهم اطلقة كنية على صديقهم الجديد، لكن من تعابير وجوههم و صياحهم بتلك الكلمة وهم يوجهون اصابعهم نحوي علمت ومن غير شكك انه الوقت المناسب ان اطلق ارجلي للريح عائدا الى الحصن او منزلي، ظلو يركضون خلفي حتى وصلت الى منزل بيتنا  مغلقا باب الحديقة خلفي لكنهم كانو يحاولون التسلق من فوق السياج للوصول الي انا الكافر، في هذا الوقت خرج اما والدي او والدتي على صوت الصراخ المنادي بقتلي لكنهم اختفو هاربين بمجرد رؤية من اتى لمساعدتي.

هؤولاء الأطفال كانو م. العبوش، و طارق و مشاري، و طفلان كويتيان لا اذكر اسمهما فلم ارهما بعدها الا مرات معدودة، و م. النجراني، و م. الخالدي ،و و. المنيف، لن انسى تلك الاسماء لأن لاحقا صارو جيراننا نلعب الكرة في عطلة نهاية الاسبوع و ندرس في المدرسة.

جلست على درج البيت أفكر ، لم يحصل لي مثل هذا من قبل، ولم كانو حانقين علي، و لما كانو ينادوني بالكافر، وما معنى كافر اصلا، كفكفت دموعي من هول الموقف و سالت أمي، اماه كانو ينادوني بكلمة لا اعلم معناها، وضحت لها انهم كانو ينادوني بكافر، صمتت امي لبرهة و قالت انسى انهم فقط اطفال و سيتغيرون معك متى عرفوك، فانت ولد مؤدب.

كم كنت اتمنى ان تكون امي على حق، وان يكون ادبي شفيع عند قوم لا يحبون “الكافر”

 

 

تم نشر هذه المقالة في تصنيف غير مصنف،مذكرات انور بتاريخ بواسطة .

عن Anwar Janbi

أهوى الادارة و أعشق مياة الخليج العربي، مدون و بودكاستر و متخصص بالمبيعات و تطوير الأعمال و ممارس للتصوير "أحاول" ، مجتهد في اثراء المحتوى العربي و مشاركة المعرفة، مؤمن في أهمية تطوير العنصر البشري و اثق فيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *