دبي الاعجوبة التخطيطية

في حين كان الكثيرين يتشدقون بمداخيلهم و خططهم الخمسية و السداسية و السباعية و الثمانية، و التي لو راجعنا مخرجاتها اليوم لاكتشفنا انها صفرية لا أكثر، كانت دبي تخطط لغد افضل لكن بطريقة لم يفعلها بلد عربي آخر، قبل عشرات السنين كان قد زار حاكم دبي آن ذاك مدينة جدة بالسعودية و قال مقولته الشهيرة “يوما ما ستكون دبي جميلة مثل جدة”، كان حلم في ذاك الوقت فدبي وقتها كانت متناهية الصغر و ينقصها بنية تحتية تليق بدبي و دولة كالامارات و شعب مثل شعبها، لكن ذاك الحلم لم يكن مستحيل التحقق او مجرد حلم تسجل في التاريخ و انتهى، دأب ذاك الداهية الادارية و لسنوات يخطط و ينظم و بصمت، دون مفاخرة و اعلانات جرائدية واهية، كان وضع الخطة المتكاملة لتقفز بدل المدينة الخليجية الى مصاف الدول المتقدمة، اذكر اول زيارة لي لدبي و قد كنت بالمرحلة الثانوية حينها عام 96، و كانت في بدايات مهرجاناتها التي كانت قد اسمتها حينها “مهرجان الاسرة”، اذكر ان دبي كانت عبارة عن شارعين و هي شارع المرقبات و شارع آخر لا اذكر اسمه اليوم، كانت جل فعاليات دبي تجري بتلك المنطقة الصغيرة، فعاليات جذبت شعوب دول الجوار لينالو من شعاع السعادة و الترفيه التي كانت تشعها، كان كثيرين ينبذون حينها دبي و كيف انها مزدحمة، و كيف كانو ينتقدون من كان يذهب لها ولا يذهب الى دول أخرى مثل ماليزيا و مصر و سوريا أو حتى دولة اوروبية “من اياهم”، الحقيقة ان في خضام ذاك كله كانت دبي تبني نفسها بخطة مدروسة و قشة قشة ، في 2005 عندما انهار سوق الاسهم الامريكي و بنوكها و صروحها الاقتصادية، تهاوت حينها اقتصادات الدول في العالم خصوصا من كان يعتمد في اقتصادها على سلعة تباع بالدولار او كانت عملتها مرتبطة بتلك العملة التعيسة، كانت دبي حين زرتها و للمرة الثانية في حياتي قد ظهر فيها معالم دبي الجديدة، دبي القوية، دبي  الذكية، دبي الجميلة، كنت متوجها لمجمع جديد اسمه “ابن بطوطى” قد افتتحوه مؤخرا و كان يسوق وقتها على انها اعجوبة و يجب عدم تفويتها، الا انها كانت في وسط الصحراء وحيدة تصل لها و انت خارجا من دبي باتجاه ابوظبي و يسبقها قليلا مجمع الامارات و لم ترق لي حينها، لكن كانت وقتها اول مرة ارى ابراج دبي الشاهقة، لكنها كانت متوقفة في عمليات التشييد، بنيت تلك الابراج لكن لم تكتمل بدون نوافذ ولا زجاج ولا ابواب، ابنية رمادية شاهقة، كان الكثيرين من شعب “يعرف كل حاجه” يتشمتون نسبيا قائلين ان دبي كانت فقط فقاعة كاذبة و ها هي انهارت، و آخرين من شعب “النص كم” دخلوا عالم الاقتصاد في تحليل ان دبي كانت مبنية على اقتصاد هش، و نفر من شعب “شاهد ما شفش حاقه” دخل عالم الافتاء و برر ان نكستها كانت نتيجة لاعتمادها على القروض الربوية فما بني على حرام هالك، لكن دبي حينها لم تسقط لكنها فقط تعثرت، سرعان ما نهضت فنفضت الغبار عن “دشداشتها” و عصبت راسها لتنطلق في عملية تطوير نفسها مرة اخرى، زيارتي التالية كانت في 2009 و كانت ابنيتها قد اكتملت و ظهر مجمع دبي الاضخم في الشرق الاوسط على اقل تقدير، مجمع ابن بطوطة و الامارات لم تعد وسط الصحراء انما هي تغرق بين المباني و الفنادق و الابراج، لم اعد استطيع اللحاق بملامح دبي لاستدل طريقي فيها فقد باتت تتطور بوتيرة اسرع من زياراتي، زيارتي التالية ولست متأكدا كانت في 2011 و قد ظهرت الجي بي آر و ابراجها الضخمة و فنادقها البديعة و شواطئها التي تأسر الالباب، دبي دأبت على استغلال فقد الترفيه في دول الجوار فاستثمرت في نفسها في بنية تحتية سياحية، اليوم دبي فيها المدينة الاعلامية و مدينة الثقافة و بيت الاوبرا و دبي لاند و مدينة اخرى ترفيهية ضخمة لا اذكرها، القرية العالمية لم تعد قرية بل تحولت الى مدينة عالمية، يسبقها سوق التنين الصيني اللذي لم ارى في ضخامته سوق، اليوم في وقت بات سعر برميل البترول لا يعتمد عليه اكتشفنا ان الامارات لا تحتاج لها فعليا، فهي صارت المركز الاقتصادي الخليجي و مطارها محور الرحلات القارية، من قوة مخططاتها وصلت الى مرحلة لاستخدام الدرونز و ناطحات السحاب المعلقة من الكواكب، ركبت في زيارتي الاخيرة المترو اللذي كلما ركبته ذكرني بمترو باريس فرنسا و زمان جميل عشت في بباريس، و صارت دبي تذكرني كل ما رأيتها بالمقولة التي علمونا اياها في المدرسة “من زرع حصد” فهنيئا لمن زرع بالامس و تجاوز كل ما كان ينبغي ان يتجاوزة و حصد اليوم تحت ظل قيادة رشيدة و شعب طيب مكافح.

ان أعجبك المحتوى، شاركها مع غيرك
Facebook
Google+
http://janbi.me/1296
Twitter
LinkedIn
تم نشر هذه المقالة في تصنيف غير مصنف بتاريخ بواسطة .

عن Anwar Janbi

أهوى الادارة و أعشق مياة الخليج العربي، مدون و بودكاستر و متخصص بالمبيعات و تطوير الأعمال و ممارس للتصوير "أحاول" ، مجتهد في اثراء المحتوى العربي و مشاركة المعرفة، مؤمن في أهمية تطوير العنصر البشري و اثق فيه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *